أحمد زكي صفوت
186
جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة
وليهنك أن صيّر اللّه تعالى ملكك من بعدك ، إلى نيّر سعدك ، وبارق رعدك ، ومنجز وعدك ، أرضى ولدك ، وريحانة خلدك « 1 » ، وشقّة « 2 » نفسك ، والسّرحة المباركة من غرسك ، ونور شمسك ، وموصّل عملك البرّ إلى رمسك ، فقد ظهر عليه أثر دعواتك في خلواتك ، وأعقاب صلواتك ، فكلمتك - والمنّة للّه تعالى - باقية ، وحسنتك إلى محل القبول راقية ، يرعى بك الوسيلة ، ويتمّم مقاصدك الجميلة ، أعانه اللّه تعالى ببركة رضاك على ما قلّده ، وعمر بتقواه يومه وغده ، وأبعد في السعد أمده ، وأطلق بالخير يده ، وجعل الملائكة أنصاره والأقدار عدده . وإنني أيها المولى الكريم ، البرّ الرحيم ، لما اشترانى ، وراشنى « 3 » وبرانى ، وتعبّدنى بإحسانه ، واستعمل في استخلاصى خط بنانه ، ووصيّة لسانه ، لم أجد مكافأة إلا التقرّب إليك وإليه برثائك ، وإغراء لساني بتخليد عليائك ، وتعفير الوجنة في حرمك ، والإشادة بعد الممات بمجدك وكرمك ، ففتحت الباب في هذا الغرض ، إلى القيام بحقك المفترض ، الذي لولاه لاتصلت الغفلة عن أدائه وتمادت ، فما يبست الألسن ولا كادت ، متحيّزا بالسبق ، إلى أداء هذا الحق ، بادئا بزيارة قبرك الذي هو رحلة الغرب ، ما نويته من رحلة الشرق ، وما أعرضت عنه فأقطعه أثر مواقع الاستحسان وقد جمع بين الشكر والتنويه والإحسان ، واللّه سبحانه يجعله عملا مقبولا ، ويبلّغ فيه من القبول مأمولا ، ويتغمّد من ضاجعته من سلفك الكرام بالمغفرة الصيّبة ، والتحيات الطيّبة ، فنعم الملوك الكبار ، والخلفاء الأبرار ، والأئمة الأخيار ، الذين كرمت منهم السّير وحسنت الأخبار ، وسعد بعزماتهم الجهادية المؤمنون وشقى الكفار ، وصلوات اللّه تعالى عودا وبدءا على الرسول الذي اصطفاه واختاره فهو المصطفى المختار ، وعلى آله وأصحابه الذين هم السادة الأبرار ، وسلم تسليما » . ( نفح الطيب 4 : 135 )
--> ( 1 ) الخلد : النفس والقلب . ( 2 ) الشقة : نصف الشئ إذا شق ، والسرحة : الشجرة العظيمة . ( 3 ) راش السهم : ألزق عليه الريش ، وراش الصديق : أطعمه وسقاه وكساه وأصلح حاله .